عندما كنا صغارًا، كانت الدنيا أقرب إلى الأبيض والأسود، كانت الأمور واضحة: افعل ولا تفعل. كنا نتلقى التعليمات من والدينا والكبار، نأخذها كما هي، ونبني عليها فهمنا للحياة. لكن عندما كبرنا، أدركنا أن اللون الرمادي هو الطاغي على المشهد، وأن تعدد الآراء واختلاف وجهات النظر هو المحرّك الأساسي لكل شيء.
منذ أن ظهرت اللوغاريتمات - تلك الصيغ الرياضية التي ساعدت في تبسيط المشكلات المعقدة - ونحن أدركنا أن معظم المشكلات، إن لم يكن جميعها، يمكن التعبير عنها بمعادلات رياضية، بدأنا نحن المبرمجين بتسخيرها لخدمتنا، مستخدمين إياها في تحليل البيانات، واتخاذ القرارات، والتنبؤ بالسلوكيات. لكن مع مرور الوقت، انقلبت الأدوار، فلم نعد فقط من يوجّه الخوارزميات، بل أصبحت هي التي تحدد اختياراتنا، تحفظ اهتماماتنا، وتقودنا نحو محتوى يعزز قناعاتنا السابقة، فيما يُعرف بـ «الانحياز التأكيدي» (Confirmation Bias).
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والتجارة الإلكترونية، باتت هذه الخوارزميات تتحكم في تفضيلاتنا الاستهلاكية والفكرية بشكل لم يسبق له مثيل.
صحيح أن هذه التقنيات اختصرت علينا الوقت والجهد، وساعدتنا على الوصول إلى ما نبحث عنه بشكل أسرع، لكنها في المقابل جعلتنا موجّهين دون أن نشعر. أصبحنا نعيش في فقاعات فكرية، لا نرى إلا ما يوافق ميولنا، ولا نسمع إلا ما ينسجم مع آرائنا. ومع تزايد هذه الظاهرة، بات العالم أكثر حدّة وتعصبًا، حيث أصبحت الحقيقة نسبية، تعتمد على ما يقدّمه لنا الذكاء الاصطناعي، وليس ما هو موجود بالفعل.
الخطر الحقيقي يكمن في أننا عندما لا نرى سوى وجهة نظر واحدة، فإننا نفقد القدرة على التفكير النقدي، والجرأة على المقارنة، واختبار صحة أفكارنا. العالم ليس مسطحًا، لكنّه أصبح كذلك في أعيننا، لأننا لا نرى إلا ما يناسبنا.
والحل؟ بالوعي أولًا لأن ندرك أن ما يُعرض أمامنا ليس الحقيقة المطلقة، بل مجرد زاوية واحدة منها. لا بُد أن نتبنى الفضول، أن نبحث ونستكشف، أن نطرح الأسئلة بدلاً من الاكتفاء بالأجوبة الجاهزة. في زمن أصبحت فيه المعلومات متاحة بضغطة زر، لم يعُد الوصول إلى الإجابات هو التحدي، بل أصبح طرح الأسئلة الصحيحة هو ما يفتح الأبواب الحقيقية للمعرفة.
اليوم، لم تُعد القوة في امتلاك الإجابة، بل في القدرة على التساؤل والاستكشاف. الأسئلة التي لا تكتفي بتأكيد معارفنا، بل تدفعنا إلى توسيع آفاقنا، هي ما يمكننا من استعادة السيطرة على مسار تفكيرنا. فالسؤال الجيد ليس مجرد استفسار، بل وسيلة لفهم أعمق وأفق أوسع.
وفي النهاية، نحن أمام خيارين، إما أن نكتفي بالاستهلاك السلبي للمحتوى، أو أن نُعيد زمام المبادرة إلى أيدينا عبر وعي واعٍ وفضول صادق. الوعي هو ما يحمينا من الانجراف، والإدراك هو ما يمنحنا البصيرة لرؤية الصورة كاملة، من زوايا متعددة لا من منظور واحد. ولكي لا تتلاشى المساحة الرمادية، وتتحول مجتمعاتنا إلى ساحات مستقطبة لا مكان فيها للاختلاف، علينا أن نُفسح مجالًا للأسئلة، للحوار، وللتفكير النقدي. فبهذا فقط نحافظ على التوازن ونُعيد إلى الواقع عمقه وتنوعه.
0 تعليق