تَذكيرٌ مُلزِمٌ حتى لا يستمرَّ قَلَقُ الناس

24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

إنّ القلقَ هو كُرهُ الشّعورِ بالارتياح، أو تَمادي الإحساسِ بالضّيقِ الذي يُطلقُ عليه عِلمُ نفسِ السّلوك اسمَ "الهَمِّ المَأزق"، ويترافقُ باشمئزازٍ، وامتعاضٍ، وبهشاشةِ اطمئنان، وإذا تمادى يُفضي الى مَرَضٍ يمثّلُ انهيارا للتّماسكِ الذّهنيّ، والنّفسيّ، وقَلَّما يتقبَّلُ المُسكِّنات. تطرَّقتُ الى هذا الموضوع، لأنّ في النّاسِ، عندنا في لبنان، قلقاً جامحاً، أَضوَأُ أسبابِهِ أنّ السّلطةَ الحاليّةَ التي أدخلَتِ الطمأنينةَ الى القلوب، وأعادَت الشّعورَ بالرّجاء، لم تتصرّفْ، بعدُ، وفق ما وردَ في خطابِ القَسَم، وفي البيان الوزاري. وراحَ النّاس يتذكّرون الذين تربّعوا، عُقوداً، في السُدّة، وشنّفوا الآذانَ بالوعودِ التي لم تكن إلّا عرقوبيّة. من هنا، واجهَ الشّعب، خلالَ تلك العُقود، سلطاتٍ متعاقبةً تَعَرَّت من مسؤوليتِها الوطنيّة، وأَفرطَت في الفساد، والظّلم، والاستئثار، ولا يمكنُ أن تُنسَبَ إليها الجوانبُ المُضيئةُ، ولَو بنصيبٍ قليل.

إنّ قلقَ الناسِ، في لبنان، منطقيّ، فلطالما عانوا من فسادِ حاكميهم، ما أدّى الى الحاجة التي هي أَكرَهُ من الموت، والهجرَةِ التي هي أَمَرُّ من الصَّبر، وجعلَ الآمالَ بالتّغييرِ تَخبو، والوعودَ بالإصلاحِ تذهبُ أدراجَ التّلفيق.

من هنا، كيف يستطيعُ الناسُ تحريرَ أنفسِهم من قيودِ القلق، فمهما أُتحِفَ وصفُه بالأسباب التخفيفية، يبقى الحالةَ اللّاذعةَ التي يستحيلُ التَّصالحُ معها، والتي لا ترمي، في الإنسان، إلّا المَقتَل.

في لبنان، ليس مسموحاً للسلطة أن تجعلَ هذا القلقَ عنواناً للمرحلةِ الموعودة، فالجيلُ المَلدوغُ بِسُّمِ اليأسِ، في مجتمعٍ مُعوَزٍ الى الأمل، ليس مقبولاً أن تستوطنَهُ الشّياطين، من جديد، ليُرهَقَ بالخِزيِ، والخيبة، ويُغتالَ وعدُهُ بالآتي الأفضل، ويُقَبِّحَ اليأسُ تطلّعَه الى مستقبلِه، في وطنٍ مَرميٍّ في دائرةِ النّار.

ليس مقبولاً أن يعودَ الناسُ بالذّكرى الى الزمنِ المرّ، حيثُ تدحرجَتِ الأحداثُ المُريبةُ التي باتَ أيُّ علاجٍ، معها، مستحيلاً، فأصبحَ الوطنُ جائعاً، ضالَّتُه رَغيف، وبانَت، في جوانبِهِ، شكوى الإحباطِ، وتكاليفُ الشّقاءِ التي ليسَ أَقَلَّها قِصَرُ حبلِ الرّجاء.

فالواقِعُ كان عَجِفاً، والدولةُ منشولةً، تَخَلَّقَ أركانُها بالشرِّ حتى بَدَت أنيابُ الذّئابِ أكثرَ رحمةً. وسادَتِ الآفاتُ المريرةُ التي لم تُخلَقْ عفواً، بِقَدرِ ما استنبطَتها جبلةُ الحاكِمين المُشَوَّهة، وطوَّرَتها حتى غصَّ الوطنُ بموبقاتِها، وناءَ الشّعبُ تحت ثِقَلِ تداعياتِها الكارثيّة.

ليس مسموحاً أن تُستعادَ طَلّاتُ المسؤولينَ الإعلاميّة، وكذلك القادةِ المُؤَبَّدين، لإيصالِ ترويجاتٍ فولكلوريةٍ يغطّيها رمادُ التّدجيل، بقَصدِ تبييضِ الصّفحة، والوجه.

وقد باتَ النّاس يعلمون، عن حقّ، ما كان يقصدُ أولئك، بل يستميتون، الى تلميعِ صورتِهم باختلاقِ مآثرَ فيّاضةِ النّفعِ، وهي عقيمة، وبالتالي، انكشفَت حقيقتُهم المتلاشية، وهبطوا من مقامِهم الذي وصلوا إليهِ بالحيلةِ، والمواربة، الى موقعِهم الحقيقيِّ المُلَطَّخِ بالوصوليّة، والصَّنَميّة، والأنانيّة... وما كلُّ ذلك، لهم، إلّا علامةٌ قاتمةٌ لا تُمَّحى. لا يمكنُ أن ننسى أنّ الشّعبَ اللبنانيَّ لطالما انتسبَ الى الكبرياء الوطنيّ، والى النُّبلِ، والكرامة، وإِنْ خُلَقَ من تراب، وأنّه صاحبُ الهمّةِ المرتفعةِ في التمرّدِ على القهر، فقد سطّرَ وِقفاتٍ غيرَ اعتياديّة في عصرِ ذُنوبِ السّلطةِ البائدةِ التي كبَّلَتِ البلادَ بالظّلم، وحوّلَتها أَشَدَّ الأمكنةِ بُؤساً، واستهتاراً بقِيَمِ الحريةِ، والحقوق، ما أعادَها الى عصورِ العبوديّةِ والانحطاط.

لكنّ مذاقَ الحماسةِ في دَعمِ الحكمِ الحالي، استندَ الى قناعةٍ ملموسةٍ بأنّ فجرَ لبنانَ سيُشرِقُ معه، الأمان، والحريّة، والمحاسبة، واحتكار السلاح سيكون بيدِ القوى الشرعيّةِ وحدَها، وتفعيل القضاء، والقضاء على العصابات والمافيات... لكنّ هذا المَذاقَ الحُلوَ باتَ "مُعَوكرًا"، وشِبهَ مُرٍّ بسبب الخَوفِ من الفشل.

إنّ الشّعبَ، في لبنان، لم يَعدْ هائماً على بساطِ الرّيح، ومَخطوفَ القرارِ، كما كان يريدُهُ، مِن قَبل، أربابُ السّوء في تَماديهم القَمعيّ، من هنا، وَجَبَ على المسؤولينَ الجُدُد ألّا يكرِّروا أسلوبَ العهودِ المنصرِمة، من تأجيلٍ للمواجهة، ومَيلٍ الى "ترويكا" وكأنّها وكالةُ غَوث، وتسويفٍ لتنفيذ القرارات الدولية، ما يُفضي بالشّعب الموعود الى تنظيمِ احتفالاتٍ للقلق، والحيرةِ، لتُمطرَ أيّامُه قلقاً، وشوكاً، بدلاً من أن يكونَ أداءُ الحاكِمين جَوازَ عبورٍ الى تَفتيقِ الظلامِ الذي أَلصَقَ جسدَ الوطنِ بالتراب، وهَرَّبَ الطمأنينةَ من عيونِ أطفالِه، وحوَّلَ مجتمعَه كئيباً، يعاني من انشقاقِ الخيرِ والعدلِ عن حقيقتِه. نعم، بدأَ الشّعبُ يواجهُ تراجيديا القلق الذي يُرخي بفصولِه على الوطنِ، ويخشى من عودةِ الزّمنِ المرِّ، زمنِ الخيبة، وتهديمِ الثّقةِ بالكيانِ والهويةِ والأرض.

أيّها المسؤولون، أما آنَ الوقتُ ليحتفلَ الناسُ، وبفضلِ نهجِكم، بجلاءِ القلق، بحثاً عن الاصطباحِ بوطنٍ صِياحُ دِيَكَتِهِ ليس مُزَوَّرا؟

أستاذ جامعي لبناني و كاتب

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق