عجز الميزان التجاري وتسييد الدولار!

جريدة عكاظ 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
واحد من أبسط مسلّمات الاقتصاد الكلي؛ هو أن ارتفاع عملة أي دولة له تأثير مباشر على انخفاض صادراتها، كون صادراتها تصبح أكثر كلفة بالنسبة للدول الأخرى، وهذا بدوره يؤثر سلباً على القدرة التنافسية للسلع والخدمات التي تنتجها تلك الدولة في الأسواق العالمية. منذ العام 2018 انتهجت الولايات المتحدة الأمريكية حرباً تجارية جمركية شعواء لقلب موازين العجز في ميزانها التجاري، على حد زعمها. فأمريكا أمام خيارين؛ إما أن تضحي بقوة بالدولار كاحتياطي عالمي ويتحوّل ميزانها التجاري من حالة العجز إلى حالة فائض، أو تستمر قوة الدولار مع عجز في الميزان التجاري. لا يمكن لأمريكا أن تجمع بين قوة الدولار وتسيده للمشهد العالمي ورغبتها في خلق فائض في ميزانها التجاري.

ليس هناك مبرر لقلق الحكومة الأمريكية بسبب العجز في الميزان التجاري، ولكن عليها أن تنظر للاقتصاد الأمريكي في المجمل. الأخبار الجيدة لإدارة ترمب الحالية أن قوة الدولار ليست كلها شر. وحتى تتضح الرؤية، الدول التي تحقق فوائض في ميزانها التجاري مع الولايات المتحدة الأمريكية ستقوم باستثمار تلك الفوائض في السندات الأمريكية بسبب قوة الدولار، وبهذه الكيفية تمول تلك الدول ذات الفوائض الاقتصاد الأمريكي بشكل مباشر، وهنا الجميع يربح. علاوة على ذلك، تتجه الكثير من أموال تلك الدول للاستثمار المباشر في الشركات الأمريكية.

تعلم إدارة ترمب يقيناً أن التعريفات الجمركية التي انتهجتها مثلاً مع الصين في العام 2018 لم تؤتِ أكلها، بل على العكس زاد العجز في الميزان التجاري لمصلحة الصين. غزت الصين السوق الأمريكية بعدة طرق، يأتي في مقدمتها؛ تخفيض اليوان الصيني، أي أنه عندما رفعت الحكومة الأمريكية التعريفات على الصين بمقدار 20% خفضت الصين من عملتها تقريباً بنفس النسبة وهذا ما ردم فجوة التعريفات الجمركية وأبقى السلع الصينية كخيار أولي للمستهلك الأمريكي. الأمر الآخر استطاعت الصين أن تقتحم السوق الأمريكية من خلال عدة دول كالمكسيك وفيتنام.

ربما يتساءل البعض؛ لماذا لا تقوم أمريكا بتخفيض الدولار كما قامت الصين بتخفيض اليوان، حتى تصبح المنتجات الأمريكية أكثر تنافسية من المنتجات الصينية؟! الإجابة بكل بساطة، لا تستطيع أمريكا القيام بهكذا خطوة لأن عواقبها ستكون مكلفة على الاقتصاد الأمريكي، فالدولار ليس كأي عملة عالمية. من زاوية أخرى، الدولار الأمريكي هو العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم وأي تخفيض كبير في قيمته قد يؤدي إلى فقدان الثقة من قبل الدول الأخرى، مما يضر بمكانته العالمية وربما يحصل تدافع على بيع سنداتها وتزيد معدلات التضخم على أقل تقدير.

المستشارون الاقتصاديون للرئيس الأمريكي يراهنون على النفس الطويل بخصوص التعريفات الجمركية، فهم على قناعة أن هناك ممارسات تجارية غير عادلة تقوم بها العديد من الدول من خلال التخفيض المتعمد للعملة كاستراتيجية للرد على التعريفات الجمركية، ولكنهم يؤمنون أن تخفيض بعض الدول عملتها لردم فجوة التعريفات الجمركية لا يمكن أن يستمر طويلاً كون العواقب الاقتصادية السلبية قد تجعل هذه الاستراتيجية غير مستدامة على المدى الطويل. فإذا أخذنا الصين على سبيل المثال؛ تخفيض عملتها -بشكل مستمر- سيخفض القوة الشرائية للمستهلك الصيني مما قد يحد من الإنفاق الاستهلاكي ويؤثر سلباً على النمو الاقتصادي، في ذات الوقت سيكلف الحكومة الصينية الكثير من الأموال في استيراد المنتجات الخام كالنفط، مما ينعكس سلباً على أسعار المدخلات الصناعية وبذلك يرتفع التضخم. إضافة لذلك، تخفيض العملة بشكل مستمر قد يثير الشكوك بين المستثمرين الأجانب، مما قد يؤدي إلى تراجع الاستثمارات في السوق الصينية.

أخبار ذات صلة

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق