فحل البساس

جريدة عكاظ 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
رأى العريفة كندرة زوجته مقلوبة قدام المصراع، فقال؛ اقلبيها اقتلبوا صرعتك؛ فقالت؛ لا تنذّر وسمّ بالرحمن؛ وبيجيك ضيوف الليلة، فقال؛ ما يعلم الغيب إلا الله يا بنت الخطاطة، والضيف تسبقه ملائكة الخير قبل ما يحط شداده، وهم في أخذ وردّ، وإذا بصوت رِجال وحلال في المسراب الذي يشرّف عليه بيت تتوسط ساحته سدرة يشيل ظلها جماعة.

رحّب ورتّب الشملة والمساند، فيما تكامل جلب الضيوف الذي تردح سباله، تحت السدرة، وقبل ما يشربون الفنجال أقسموا أغلظ الأيمان، ما يعشيهم إلا طرف من حلالهم الذي سيهبطون به غداً لسوق الثلاثاء، فطلب جاره (بخيت) ليفزع له، وناوله الشفرة، وأوصاه يذكّي أطيبها، وتناول الفاس ونزل السفل، شقق له عودين من القرض، وصعد بها، وشبّ قبسه؛ وطلب من زوجته تدعي له جارتهم (المدغبسة) فجاءت بعيالها وبعلها الغلبان، وتولّت العجن، فيما توافد وجهاء القرية بعد صلاة المغرب على بيت عريفتهم.

امتلأ المكان بالضيوف وجماعة القرية؛ ولمح شاعر الحضر، (المدغبسة) وهي متحفّشة ثوبها؛ وتطرّح عجينتها في قدر يفور؛ فبدع؛ (حيّ الله المزرع اللي يتباهى بالأحباب، يروى من الغيل في صبحه وما مات حبّون؛ ما يحصده كفّ ولد اللاش والا بهاليل، يهبط لسوق الخميس وسوق نجران حبّه)، فطرب شاعر البدو، وقال؛ تنبكني يا مزهود، فولّع له سجارة؛ شفطها وحشرته، لين بغت تخرج عيونه، وغصباً ارتدّ نسمته، فردّ (يا مطيب المجلس اللي يتباهى بالأحباب، فيه الكرامة وفيه الطيب مما تحبون، والبدر في طلته يا خلق ربي بهاليل، يا ليت لي صاحب مثله ونجرى نحبّه).

تعشوا وكثروا بالخير، ومع سفر النهار، قهوى العريفة ضيوفه، وطلبهم يفطّرهم، فاعتذروا وقالوا؛ بنفطّر في السوق؛ وتركوا له ظرفاً مملوءاً بالسمن، وطلبوا منه إذا فرّغه يضعه في بيت التمّار المتربّع ربوةً، على طرقة الهباطة والصّدارة، وما أيّس ينزلون من الدرجة، فأسند ظهره على الجدار المخلوب بالشيدة، وتقوبع بمشلحه، وغطّ في نومة تسوى لها مسوى.

فزع من رقدته على قربعة في سافلة البيت، وسمع الدجاج يتصايح، فقال في نفسه، هذا حصيني، وإلا ضربان، وإلا حنش، التقط بندقته المحدّش، ونزل يتسلبى، وفك الحِلقة من الرزّة، ومدّ خشم البندقة، وإذا بهذا البسّ الأسود، مقبل عليه، فارتخت مفاصله، وصابته رعدة. سمّى بالرحمن، ونكّس رأس البندق، وخرج البسّ المسنعب ممطوط الظهر البارزة فقراته، ومرّ بجواره وهو يزرقه بعيونه، وشعر كبير القرية بخضخضة في معيانه، فتلفّت ولم يظهر له أحد يرى ما هو عليه من حالة تبعث على الشفقة، فاستقام وهو يردد (والله ما هي عادتك يا سبع قوم، كنت تنصى النمر في محجاه، وآخرتها يخرعك بسّان)؟!.

دخل على وجل، وإذا بيض الدجاج اللي كان تحت أمهاته مفقّش، والدجاج معه رعبة، يتطاير في السفل، وما صدّق على الله ينفتح الباب ليخرج في الساحة، تمالك نفسه وصعد؛ علّق البندق؛ واصطب له طاسة ماء من القربة؛ وانتبه أن زوجته ما هي في البيت، فقال؛ أشوى ما شافتني مخضوض، فتناول القرص من تحت المكبّ، واستندر من المعلاق لحمة باردة استبقاها من عشاء البارحة، وما أمداه، وضع أوّل لقمة في ثمّه، إلا والبسّ مرتكي ويحرّك ذنبه، فرمى له عظمة، فلم يلقِ لها بالاً، فاقتطع عصبة وما رفع يده إلا والبسّ يختطفها ويشرد.

اجتمعوا لصلاة العصر، وبعدما سبّحوا وهلّلوا، رفع نظره للفقيه، وإذا أياديه مخمّشة، ولا يزال أثر دمّ طري يرسم خطوطاً متقاطعة في كفه، وقبل ما ينشده عن هذه الصيرة فيه، قام المذّن، فجبده بثوبه، قائلاً؛ وين بتغدي وشبك انتفضت كنّك ملقوص؟ فردّ عليه؛ غنمي في المحجر ما حد يصايرها بابدي لها، لا تنزي في الركيب وتخالف في حشرة المرزي؛ يا هب لنا صُعقرّة وانحن في أيام عيد ومعايدة، تركه يخرج، وسمع من الفقيه، ما عزز لديه القناعة بأنّ البسّ الأسود جِنّي، خصوصاً عندما أقسم الفقيه؛ أنّ معه هِمّة ما قد شافها في بسّ من يوم يخبر نفسه، وأضاف؛ ما بقي بسّة في البيت والوادي إلّا تيّنها وإذا ولدت يأكل فرخانها؛ وشرّد كل فحول البساس وصار يتهجّر، والعريفة يردد: اعقب عقب الله به.

سكتوا يفكرون في هذه المصيبة اللي حلّت بهم، ولم يخفِ الفقيه بأنّه يشك في المذّن، وحلف أنه يدري منين جاهم هذا البسّ الفحل، فلحقوه عند غنمه، وبغى ينكر وآخر شيء اعترف قائلاً؛ إن كان تبغون الصدق، نسّبت في الوادي للنيص، ويوم جيت صبح الجمعة لا ونّ الصيد هذا العُرّي؛ ففكيته ويوم شافني رايح مشى ورايه، وأشفقت عليه القلب لحمة.

طلب منهم العريفة يكفونه شره، إما يقحمونه في بير، وإلا يقلطونه في غدير، وإلا يذبحونه ويسوون من جلده زير، وسأل؛ بتسدون فيه يا فقيه إنت وديكان؟، فأجاب الفقيه؛ يسدّنا فيه ربّي، وأضاف؛ تبغاني آخر عمري استقوي على بسّة يا عيباه؛ فعلّق؛ والله ما تلقى من عقلك لُحسة ألمح يسدك فيه ربّي؛ فقال المذّن؛ ما بيعرف يتعامل مع الجنّ إلا فقيه؛ فقال الفقيه؛ أما الذبح فلا، والله يا من يذبحه ما عاد يذوق طعم العافية؛ لكن نخصيه، ردّ العريفة؛ شورك في محلّه ومن رزّ السوق يمّنه.

اشتور الفقيه مع ديكان، فاتفقوا على أن يدخل المذّن رأسه في خيشه؛ وهو بيمترط محاشمه، وعساها تغدي به، ترصّدوا له، وتورّى لهم أنه دخل في الكمين، ولكن ما عاد شافوا شيء، وحلف الفقيه أنه حسّ بيدّ تلوي رقبته لين سمع طقطقة عظامها، وأقسم المذّن ويده ترقف؛ أن شيء لايس على عيونه، وما شاف إلا عتمة؛ والعريفة يضحك ويردد ؛ الله ما فيكم من هِلّاس، يا مخصّين البساس.

أخبار ذات صلة

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق