ورغم الحشود المليونية التي تشهدها الأراضي المقدسة، وفي المناسبات الوطنية والاجتماعية والثقافية وبصورة سنوية، إلا أن ذلك لا يمنع من إخراج تلك المواسم والأحداث بأبهى صورها، تعكس قدرات الإنسان السعودي على تذليل الصعاب وتطويع المستحيل وكتابة صفحات خالدة من الإنجازات تضاف إلى سجلها الحافل الذي عرفت به طوال تاريخها، رغم التحديات.
فن إدارة الحشود صناعة سعودية بامتياز، حيث تحظى خدمة المعتمرين والمصلين في الحرمين الشريفين باهتمام بالغ من القيادة الرشيدة، التي تُسخِّر جميع الإمكانات لضمان راحتهم وأمنهم، خصوصاً خلال موسم الحج والعمرة، التي تشهد توافد أعداد مليونية من الزوار، تستدعي تنظيم الحشود، وإدارة الحركة المرورية، وتقديم الخدمات الإنسانية، إضافة إلى توظيف أحدث التقنيات؛ مثل الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات وضمان انسيابية الحركة، في تكامل بين الجهات الأمنية والخدمية لتوفير بيئة آمنة ومريحة لضيوف البيت الحرام.
«بصير» رؤية متقدمة
لضبط الأماكن
أعلنت وزارة الداخلية؛ ممثلة في الأمن العام، فاعلية تشغيل (منصة بصير) التي أطلقتها بالتعاون مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) لإدارة الحشود داخل المسجد الحرام خلال موسمي الحج والعمرة، واستخدمت بفاعلية خلال شهر رمضان لهذا العام ١٤٤٦هـ، وعكست التقارير الإحصائية مدى قدرة أنظمة هذه المنصة الذكية في تنظيم الحركة من خلال التحليل المتقدم بالبيانات والذكاء الاصطناعي، الأمر الذي أسهم في تأمين انسيابية دخول المعتمرين والمصلين في المسجد الحرام وخروجهم منه بكل يسر وسهولة في وقت قياسي.
وأسهمت منصة (بصير) برؤيتها الحاسوبية المتقدمة في ضبط الأماكن الأكثر ازدحاماً داخل المسجد الحرام، وتسجل ٣٠ ألف زائر داخل صحن المطاف بشكل لحظي، عبر بيانات لحظية دقيقة أثمرت في تسهيل الحركة داخل صحن المطاف، وتوفير أعلى مستويات الأمان للمعتمرين والزائرين داخل المسجد الحرام؛ مما أسهم بشكل كبير في اتخاذ الجهات المعنية للقرارات والمعالجات الفورية، للحد من الازدحام والتدافع.
وأدّت المنصة وفق إمكاناتها المتقدمة دوراً فاعلاً في تسهيل حركة المصلين، وبما يضمن انسيابية دخولهم وخروجهم للمسجد الحرام، وتصل قدرات تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالمنصة إلى تحليل وتسجيل أكثر من مليون مصلٍّ يومياً في مشروع المطاف؛ مما يجسد قدرتها على توفير حلول ذكية في قياس أعداد المصلين خلال الصلوات الخمس، ودورها في ضمان سلاسة الخروج والدخول والتنقل وتفادي الزحام.
تصميم وتخطيط
مسارات الحشود
أكد مدير الأمن العام الفريق محمد البسامي، أن تنفيذ خطة قوات أمن العمرة لهذا العام 1446هـ جاء بتوجيهات القيادة الرشيدة، وبمتابعة حثيثة من وزير الداخلية.
وقال: «تم تنفيذ الخطة بكفاءة عالية. وقد بلغت ذروتها في العشر الأواخر من شهر رمضان، التي شهدت كثافة عالية في المسجد الحرام، وخصوصاً في الأيام الفردية، كما تعامل رجال الأمن مع هذه الزيادة في أعداد المعتمرين باحترافية كبيرة، مع توفير الإمكانيات كافة لضمان نجاح هذه الخطط».
وأوضح مدير الأمن العام الفريق محمد البسامي، أن خطة أمن عمرة 1446هـ، تضمنت المحاور الأمنية، الحركة المرورية، إدارة التنظيم والحشود، تقديم الخدمات الإنسانية، ودعم وتمكين الجهات المشاركة واستخدامات الذكاء الصناعي.
وأشار إلى ما راعته الخطة الأمنية والمرورية في إعدادها هذا العام بدراسة كافة التقارير الميدانية والإحصاءات، وتقنين العمليات التشغيلية وتحديثها؛ وفقاً لمتطلباتها في الموسم الحالي، ودقة التشغيل وتوزيع القوى البشرية والآلية لضمان تحقيق الأهداف بتأدية هذه الشعيرة بيسر وسهولة.
ونوّه البسامي إلى التنسيق مع الشركاء في القطاعات المعنية؛ بهدف ضمان تقديم الخدمة المتقنة لضيوف الرحمن، متطرقاً لأبرز ما تضمنته الخطة في تشغيل محطات النقل العام بمحيط المسجد الحرام وفي الدائري الثالث ومداخل مكة المكرمة الخارجية، ودورها الفاعل في توزيع الكثافات العالية المتوقعة على المسجد الحرام؛ نظراً لما لوحظ في المواسم السابقة بتركز الكثافات في بداية رمضان وتصاعدها حتى العشرين في حين تبلغ ذروتها في العشر الأواخر.
أكثر من 4 ملايين
قاصد للمسجد الحرام
شهد المسجد الحرام أعداداً مليونية وكثافة كبيرة من المصلين والمعتمرين في ليلة التاسع والعشرين من شهر رمضان، وختم القرآن.
وبحسب الإحصائية التي أعلنت عنها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، بلغ إجمالي قاصدي البيت العتيق ليلة ٢٩ (ختم القرآن)، 4,117,669، وبلغ عدد المصلين 3,471,205 وعدد المعتمرين 646,464.
وأشارت الهيئة إلى أن إجمالي أعداد المستفيدين من العربات بلغ 28,202، واستفاد من الإرشاد المكاني 135,670 مستفيداً، فيما بلغ عدد العاملين 13,260، وتوزيع 42,000 عبوة زمزم، و702,488 وجبة إفطار صائم، وإزالة 270 من النفايات المرحّلة.
يُذكر أن الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي تستخدم تقنية متطورة، تعتمد على حساسات قارئة، لرصد أعداد المصلين والمعتمرين من قاصدي البيت العتيق على أرضية المداخل الرئيسة للمسجد الحرام، في خطوة تهدف إلى رفع الكفاءة التشغيلية عبر متابعة التدفقات والحشود وتحسين إدارتها بفاعليّة بالشراكة مع الجهات ذات العلاقة.
خطط أمنية لسلامة
قاصدي الحرمين
أكد المتحدث الرسمي للأمن العام المقدم خالد الكريديس، أن قوات أمن العمرة وضعت خططاً أمنية متكاملة لضمان سلامة قاصدي الحرمين الشريفين، تتكون من عدد من المحاور الرئيسية، تتعلق بالجوانب الأمنية، وإدارة وتنظيم الحشود، وإدارة الحركة المرورية، إضافةً إلى تقديم الخدمات الإنسانية ودعم وتمكين الجهات الخدمية.
وبين الكريديس أن خطة إدارة وتنظيم الحشود في المسجد الحرام تعتمد على تخصيص مسارات منفصلة للمعتمرين والمصلين، بحيث يتم التحكم في التدفقات البشرية بدءاً من محطات النقل، وصولاً إلى المنطقة المركزية، ومنها يتم توجيه المعتمرين إلى بوابات مخصصة لهم، في حين يتم توجيه المصلين إلى بوابات أخرى لضمان انسيابية الحركة داخل الحرم وساحاته.
وأضاف المتحدث الرسمي للأمن العام، تلعب التقنيات الحديثة دوراً محورياً في إدارة الحشود خلال العشر الأواخر من رمضان، وتم تفعيل استخدام ممكنات الذكاء الاصطناعي بالشراكة مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وتعد منصة (بصير) واحدة من أبرز الحلول الذكية التي تم تطويرها بخوارزميات وطنية؛ حيث تقوم بقياس مؤشرات الكثافة في صحن المطاف، ما يُتيح تحليل البيانات الضخمة لدعم اتخاذ القرارات في منظومة إدارة الحشود.
خبرات تراكمية تدير الحشود
قال الخبير الأمني اللواء متقاعد محمد الأسمري: «نشاهد في كل عام على مرأى عيون العالم بأسره النجاح الذي تسجله كافة القطاعات المشاركة في موسمي الحج والعمرة، وكيف تتم عملية الإدارة في توجيه وتنظيم الحشود وتخطيط ورقابة دقيقة، لتحقيق هدف سامٍ تسعى إليه السعودية منذ القدم، لإدارة ملايين المسلمين من الزوار بمختلف جنسياتهم وثقافاتهم وتقاليدهم، في مكان محدد ووقت معلوم، إنها تحدٍ مع الزمان والمكان وحالة التأهب والاحتراف».
وأضاف: «في كل عام تتألق جهود بلادنا العظيمة بتسخير كافة الجهود من سواعد أبناء الوطن الغالي وتوفير سبل الراحة والأمن والأمان لجميع القادمين إلى أراضيها، وتتم إدارة الحشود على مدار الساعة بدقة متناهية، جعلت بلادنا رائدة في العالم في مجال إدارة الحشود البشرية، وأصبحت محط أنظار الدول العظمى التي ترغب في إدارة الحشود، وتستشير المملكة في تجاربها وخبراتها المتراكمة».
نموذج تشاركي عالي الكفاءة
أكد الخبير الأمني العميد متقاعد عبدالله الجعيد أن إدارة الحشود هو نجاحٌ تنظيمي متقدّم، لا يقارن فهو أنموذج عالمي متميز، فنحن نشاهد أكثر من أربعة ملايين زائر للمسجد الحرام خلال ساعة محددة ومساحة جغرافية معينة، تحقق بها كل ما يحتاجه أولئك الأشخاص من خدمات صحية وإنسانية وأمنية واجتماعية، يعكس قدرة المملكة على إدارة الحشود بمستوى احترافي.
ونوه بقوله: «شاهدنا نموذجاً تشاركياً عالي الكفاءة من كافة الجهات المشاركة، وتميزاً في تقديم الخدمات المقدمة للزوار، صاحبه تخطيط يتواءم مع تدفق الحشود، وتقليل نقاط الازدحام، وتوزيع المسارات بشكلٍ مدروس وبتناغم لا مثيل له».
أخبار ذات صلة
0 تعليق