مع نهاية الأسبوع الماضي صدر رسمياً مرسومان بقانون يتعلقان بالشأن الاقتصادي وتحديداً الحالة المالية للبلاد.
فبينما صدرت رسمياً الميزانية العامة للدولة للسنة المالية 2025-2026 بقيمة تبلغ 24.5 مليار دينار وبفرضية عجز تقدر بـ 6.3 مليارات دينار، صدر أيضاً قانون التمويل والسيولة «الدَّين العام» الذي يتيح للحكومة اقتراض 30 مليار دينار بحد أقصى 50 عاماً، في مشهد يثير مجموعة ملاحظات وتساؤلات عن مستقبل المالية العامة في الكويت.
علينا أن نفهم... أنحن في طريق الاستدانة مثل الدول المفلسة أم كبقية الاقتصاديات المستدامة؟
أسوأ الميزانيات
والميزانية الجديدة يمكن تصنيفها كإحدى أسوأ ميزانيات البلاد منذ عقود طويلة، ليس فقط بسبب حجم إنفاقها المتضخم، بل أيضاً مقارنة بالظروف التي واكبت إصدارها، فهي لم تعكس العديد من الإجراءات المالية التقشفية التي اتخذتها الحكومة خلال الأشهر الماضية، لا سيما إلغاء تأمين المتقاعدين «عافية» والتأمين الصحي لبعض الهيئات الحكومية، علاوة على تقليص بعض «البدلات المالية» لعدد من شرائح موظفي الدولة، بالتوازي مع رفع مجلس الوزراء القيود التي تمنع الوزارات والهيئات الحكومية من رفع رسومها مقابل خدماتها بعد إلغاء القانون رقم 79 لسنة 1995، مما يعني أن الإجراءات التقشفية لم تخفض مصروفات الميزانية العامة للدولة، ناهيك عن أن التوجه لرفع قيمة الرسوم لم يدرج ضمن إيرادات الدولة العامة خصوصاً غير النفطية.
صلاحيات بلا معالجة
كما أن هذه الميزانية، التي صدرت من حكومة تجمع كل الصلاحيات التشريعية والتنفيذية لا تشير في أي من بنودها إلى معالجة أي انحراف في الإنفاق العام، فمصروفات الرواتب والدعوم تمثل نحو 80 في المئة من إجمالي المصروفات، مما يشير إلى انعدام السياسات الخاصة بمعالجة الاختلالات العميقة في الاقتصاد الكويتي لا سيما سوق العمل والتركيبة السكانية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تقديرات الميزانية وضعت على توقعات أوضاع سوق نفط مختلفة عن تطوراته الحالية، فحتى مع ارتفاع برميل النفط الكويتي «78 دولاراً للبرميل» عن سعر الأساس البالغ 68 دولاراً للبرميل وانخفاضه عن سعر التعادل المقدر بـ 90.5 دولاراً للبرميل، فإن الأوضاع في سوق النفط تشير إلى أن العوامل التي دعمت ارتفاع الأسعار خلال سنوات ما بعد جائحة كورونا أقرب إلى أن تطوى، فضلاً عن بروز عوامل جديدة ضاغطة على الأسعار في المستقبل القريب.
حسب القانون لا يوجد ضمن أغراض صرف أموال الدَّين العام ما يشير لتوجيه أموال القرض إلى مشاريع تخدم التنوع الاقتصادي أو إصلاح اختلالاته
تخلّ ورخص
فمجموعة «أوبك بلس» التي ساهم اتفاقها على خفض الإنتاج النفطي في ضمان توازن الأسعار بدأت شهر أبريل الجاري في التخلي التدريجي الطوعي عن الخفض ليرتفع الإنتاج العالمي بواقع 2.2 مليون برميل يومياً خلال عام كذلك تبدو مفاوضات وضع حد للحرب الأوكرانية - الروسية التي مثلت العامل الجيوسياسي الأبرز في رفع مخاطر الإمدادات العالمية أقرب للنجاح إما بوقف الحرب أو التوصل لهدن طويلة إلى جانب عوامل أخرى مستجدة تتلخص في السياسات الترامبية ورسومه الجمركية التي من المتوقع أن تؤثر على النمو الاقتصادي العالمي، بالتالي الطلب على الطاقة، فضلاً عن توجهاته المعلنة للوصول إلى ما يعرف بـ «برميل نفط رخيص» وهذه كلها أوضاع تشير إلى مصاعب مالية سيواجهها منتجو النفط لا سيما الكويت التي تشير الميزانية الجديدة إلى أنها تعتمد على إيراداته بـ 88 في المئة.
قانون وتصريح
وبالنسبة لإقرار قانون الدَّين العام، فإنه بعد الاطلاع على نصّ القانون رقم 60 لسنة 2025 «التمويل والسيولة» وبالمادة الثالثة تحديداً تبين أن أغراض صرف أموال قرض أو قروض الدَّين العام موجهة لتمويل المصروفات الجارية كتمويل ميزانية الدولة في حالة العجز المالي أو إعادة هيكلة الديون أو سداد الالتزامات المالية الحكومية وليس كما صرحت وزيرة المالية نورة الفصام بأن إقرار هذا القانون يبني اقتصاداً أكثر تنوعاً واستدامة أو أنه يدعم عجلة التنمية الاقتصادية... فحسب القانون لا يوجد من ضمن أغراض صرف أموال الدَّين العام ما يشير إلى توجه مبالغ أو نسب معينة من الـ 30 مليار دينار المفترضة كسقف للاستدانة إلى مشاريع تخدم التنوع الاقتصادي أو إصلاح الاختلالات الهيكلية فيه، في المقابل نصّ صراحة على توجيه أموال القرض لسداد التزامات الدولة في المصروفات الجارية غير التنموية وأولها عجز الميزانية.
الأوضاع في سوق النفط تظهر أن العوامل التي دعمت ارتفاع الأسعار خلال السنوات الماضية أقرب لأن تطوى
مخاطر و«شرباكة»
ولعل أبرز مخاطر الاستهانة أو التساهل في ولوج أسواق الدَّين الدولية أنها تأتي وسط غياب خطة اقتصادية جادة تستهدف إصلاح سوق العمل وتنمية الإيرادات غير النفطية ومعالجة التركيبة السكانية فضلاً عن تنمية وتنويع الناتج المحلي الإجمالي، بالتالي تصرف أموال الاقتراض على مصروفات جارية تتعلق بتغطية عجز الميزانية مما يعني إنفاق هذه الأموال - وفق التقديرات الحالية - خلال 4 إلى 5 سنوات على أفضل تقدير، وهنا يكون الحديث عن إعادة تمويل الدَّين العام أو استبداله أقرب إلى الوقوع في «شرباكة» من الديون يصعب تفكيكها.
والحديث عن مخاطر انحراف المصروفات عن أغراضها التنموية والتساهل في الاستدانة دون خطة اقتصادية محكمة ليس دعوة للتشاؤم أو إثارة مخاوف غير مبررة بل تحذير له شواهد من مصير دول استهانت بتراكم الديون كلبنان واليونان والأرجنتين فأفلست وتدمر اقتصادها وكيانها المالي، وحتى عملتها، في مقابل دول جعلت من الديون أساساً لتمويل اقتصادها المستدام كالولايات المتحدة واليابان والصين وبريطانيا... وهنا علينا أن نفهم بوضوح نحن في أي طريق بالضبط؟!
0 تعليق