هذا الكتاب نبيّ الله يونس (عليه السلام) ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 87-88] من ضمن سلسلة قادة الحضارة الإنسانية وسادتها العظام الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام)، وهذه حلقة مهمّة في تاريخ عَلم من أعلام الإنسانيّة، وشخصيّة عظيمة أكرمها الله بالنبوّة والرسالة، وخلّدها في كتابه العزيز كقدوة وأسوة لبني الإنسان أينما كان، إذ كان من السالكين لطريق الهدى والتقوى والإيمان، وإن اِعتراهم الضعف البشري المعتاد من التقصير والذنوب والخطايا، يتعلّمون من سيّدنا يونس (عليه السلام) كيفيّة الاستغاثة، والدعاء، والتضرّع لربّ العالمين، والرجوع إليه (سبحانه وتعالى).
يسلط الكتاب الأضواء على أهمّ المحطّات التاريخيّة التي مرّ بها يونس (عليه السلام) كما جاءت في القرآن الكريم، ويدخل في سلسلة الأنبياء والمرسلين التي صدر منها:
- النبيّ الوزير يوسف الصدّيق (عليه السلام) من الابتلاء إلى التمكين.
- الأنبياء الملوك داود وسليمان (عليهما السلام) وهيكل سليمان المزعوم.
- لوط (عليه السلام) ودعوته لقومه الظالمين وعقاب الله لهم.
- هود (عليه السلام) وزوال حضارة عاد.
- نبي الله صالح (عليه السلام) وأسباب هلاك قوم ثمود.
- أيّوب (عليه السلام) طريق الشفاء ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
وهذا الكتاب: (نبيّ الله يونس عليه السلام ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء: 87-88]).
وهذا الكتاب يجمع ما قاله المفسّرون والمؤرّخون عن يونس (عليه السلام)، ويستعين بالله (عزّ وجل) في معرفة الحقيقة والاستفادة من آراء العلماء في الماضي والحاضر مع الوقوف بحزم وعلم وعدل ضدّ الروايات الموضوعة، والخزعبلات والأكاذيب والأباطيل التي لا تليق بمقام النبوّة والرسالة.
فالقصص القرآني له علاقة مباشرة بالذاكرة الإنسانيّة، وبأهمّ محطّاتها الملهمة في تاريخها الطويل، فالوقوف عليها تدبّراً وتأمّلاً وتفكّراً، ممّا يعين المسلم على السير على الصراط المستقيم، والتواصل مع هذا الركب الميمون روحيّاً وأخلاقيّاً وعقائديّاً، كما أنّه فيه العلاج والفرج، والمخارج من الابتلاءات والمحن والمصائب والكوارث والغموم والهموم.
وإنّ قصّة يونس (عليه السلام) التي جاءت في القرآن الكريم مليئة بالدروس والعبر والفوائد والعظات والسنن والقوانين، وتعطي الناس المنهج الصحيح في التعامل مع الابتلاءات والمحن والمصائب.
وقد قمت بتقسيم هذا الكتاب إلى مقدّمة ومباحث وخلاصة:
المبحث الأوّل: ويشتمل على اسم يونس (عليه السلام) ونسبه ومكان دعوته وماذا قالت كتب التاريخ عن ذلك، والسور التي ذُكر فيها يونس (عليه السلام).
والمبحث الثاني: يتحدّث عن قصّة يونس (عليه السلام) في سورة الصافّات.
والمبحث الثالث: يتكلّم عن قصّة يونس (عليه السلام) في سورة الأنبياء.
والمبحث الرابع: يتحدّث عم قصّة يونس في سورة يونس.
والمبحث الخامس: عن قصّة قوم يونس في سورة يونس (عليه السلام).
وتحدّث الكتاب عن مولد يونس (عليه السلام) ونشأته وبعثته إلى أهل نينوى ودعوته لقومه، وعن حديث أسفار العهد القديم عن يونس (عليه السلام)، وعن تفسير الآيات التي تحدّثت عنه وفق علم التفسير الموضوعي، وتمّ جمع كلّ ما يتعلّق بيونس (عليه السلام) في الذكر الحكيم وتوزيعها على مباحث.
وتحدّث الكتاب عن فضل كلمة لا إله إلّا الله، والتوافق بين (لا إله إلّا الله) و (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) وعن شروط (لا إله إلّا الله) وعن صيغة القرآن في التسبيح، وأفضل الكلام عند الله، وعن رفع البلاء بالدعاء، وأنّ القضاء يُردّ بالدعاء، وهل يسمّى الذكر دعاء؟
وعن حديث رسول الله ﷺ: لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متّى، وعن التفاضل بين الأنبياء (عليهم السلام)، وعن الأدب مع يونس (عليه السلام)، وهل رأى قوم يونس العذاب عياناً؟ وعن سنّة الله في الإيمان، وعن أهمّ صفات وخصائص يونس (عليه السلام) ووفاته، من كونه رسول، ومليم ومغاضب، ومُبتلى، مساهم، وسقيم، وملتقم، ومُنادٍ ربّه، وناجٍ من الغم، ومُجتبى، وصالح، ومكظوم، ومُفضّل، ومُبشّر ومنذر، وحجّة، ومنعَم عليه ومُستجاب الدعوة...إلخ، وفي نهاية الكتاب كانت الخلاصة.
وقد انتهيت من هذا الكتاب الساعة الثانية عشرة وثماني دقائق من ليلة الجمعة المباركة، 29 ذو الحجّة 1445هـ، 5 يوليو 2024م، بمدينة الدوحة عاصمة قطر حفظها الله وسائر بلاد المسلمين.
والحمد لله على فضله ومنّه، ونسأله سبحانه وتعالى أن يتقبّل هذا العمل قبولاً حسناً، وأن يُكرمنا برفقة النبيّين الصدّيقين والشهداء والصالحين مع إخواني الذين ساعدوني على إتمام هذا الكتاب.
ولا يسعني في نهاية هذا الكتاب إلّا أن أقف بقلب خاشع منيب أمام خالقي العظيم، وإلهي الكريم، معترفاً بفضله وكرمه وجوده متبرّئاً من حولي وقوّتي، ملتجئاً إليه في كلّ حركاتي وسكناتي وحياتي ومماتي، فالله خالقي هو المتفضّل، وربّي الكريم وإلهي العظيم هو الموفّق، فلو تخلّى عنّي ووكلني إلى عقلي ونفسي لتلبّد منّي العقل، وغابت الذاكرة، ويبست الأصابع، وجفّت العواطف، وتحجّرت المشاعر، وعجز القلم عن البيان.
اللهم بصّرني بما يرضيك، واشرح صدري وجنّبني اللهم ما لا يرضيك، واصرفه عن قلبي وتفكيري، وأسألك يا الله بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن تُثيبني وإخوتي الذين أعانوني على إتمام هذا الجهد.
اللهم اجعل هذا العمل لوجهك خالصاً، ولعبادك نافعاً، واطرح فيه البركة والقبول والنفع العظيم.
ربّ اغفر ولوالديّ ولجميع المسلمين.
نرجو ممن يطّلع على هذا الكتاب ألّا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربّه ومغفرته من دعائه، قال تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.
والحمد لله ربّ العالمين.
الفقير إلى عفو ربّه ومغفرته ورضوانه، د. علي محمّد محمّد الصلّابي.
الدوحة 29 ذو الحجّة 1445هـ/ 5 يوليو 2024م.
0 تعليق