على إيران أن تعيد حساباتها

24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

حسناً فعلت طهران بقرارها سحب قواتها العسكرية من اليمن، ووقف دعمها لجماعة الحوثي، هذا إذا كان صحيحاً، فهي بذلك تعيد البوصلة إلى وجهتها الصحيحة، وتفسح في المجال أمام البادرة مع دول الإقليم لبعث الحرارة فيها، ترمم قنوات الاتصال مع عواصم "مجلس التعاون" الخليجي، بل مع معظم الدول العربية.

فمنذ عام 1979، حين أعلن نظامها شعار "تصدير الثورة"، وعمل على تأسيس ما سمي "أحزاب الله" في العالم العربي، سلكت طهران طريقاً مختلفاً عما كان يأمله الجميع، عربياً وخليجياً، ورمت خطط التنمية في سلة المهملات، لا سيما تلك التي كانت موضوعة منذ عام 1969، وترمي إلى جعل إيران مصنع الخليج والدول الآسيوية المجاورة لها، وتتحول أيضا مقصداً سياحياً، وخدماتياً، بما يعبر حقيقة أنها دولة عظيمة إقليمياً.

لا شك أن دورها مهم على الصعد كافة، إذا كانت سلكت الطريق المغاير للصدام مع العالم، لأن ثمة رؤى غير واقعية حددت برنامجها المتولد من حالة ثورية ظريفة، وليست دائمة، لكن الطبقة الحاكمة عملت على تأبيدها، وهذا يتعارض مع منطق الدولة، خصوصا إذا بني ذلك على منهج طائفي، في محيط يختلف ثقافياً عما هو سائد في إيران.

منذ معركة ذي قار وهزيمة الإمبراطوريَّة الساسانيَّة على يد العرب، تولد شعور قومي إيراني بمعاداة الجيران المنتصرين، لذا كانت العلاقة دائماً تمر بمد وجزر، إلا أنها لم تخرج، بعد الإسلام عن روح التعاون، ولو في مرات كانت العلاقة قائمة على وعي أن التهديد الخارجي للإسلام، حينها، يفرض التوحد في الموقف، إلى أن جاءت تلك الثورة وغيرت المعادلات، وأسست لعداء جديد، جراء نزعة مذهبية قامت عليها تهدم أكثر مما تبني.

طوال العقود الأربعة الماضية حاولت "الثورة" فرض إرادتها على دول المنطقة، وكانت الأعمال الإرهابية في معظم دول الخليج، لا سيما تفجيرات مكة المكرمة أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وكذلك الأطماع في بعض دولها، سبباً في الفرقة من جديد، وكأنها إحياء للشعور القومي الساساني، وهذا لا ينم عن سلوك إسلامي صحيح، يبعث شعوراً بالانتقام لمعركة القادسية عام 636 ميلادية، التي دائماً ما يشير إليها المفكرون الإيرانيون كلما أرادوا تبرير موقف النظام الحالي.

هذا الشعور جدد الصراع، لكن مع دخول عنصر جديد، وهو إذكاء المذهبية، بأبشع صورها، ما جعل المنطقة ككل تتعامل مع جارها المزعج بالكثير من الحذر، خصوصاً عدم تجاوب طهران مع محاولات حكومات الخليج فتح صفحات جديدة، ومما زاد الطين بلة حين عملت على تأسيس خلايا إرهابية في معظم دول الخليج، والمنطقة العربية.

نكرر إن إيران دولة عظيمة، ويمكنها تأدية دور حيوي في الإقليم، وأن تكون طريقاً للدول الآسيوية المجاورة لها، ليس للصناعات العربية الخليجية فقط، بل أيضاً لتأسيس محور اقتصادي تنموي على غرار طريق الحرير الصينية، إذا تخلت عن مشاريعها التوسعية، وتهديدات لجيرانها.

اليوم، إيران، تعاني من حصار دولي خانق، فيما شعبها يعيش أسوأ أزمة تاريخية، وطبول الحرب تقرع من المجتمع الدولي ضدها، ما يعني أن من الحنكة فتح أبوابها للتعاون مع الجميع، وليس التباهي بالسيطرة على أربع عواصم عربية، وجعل دولها فاشلة، كما هي الحال مع لبنان وسورية واليمن والعراق، الذي بدأ يتعافى، إلا أن الطريق لا يزال طويلاً.

يخطئ الإيراني حين يعتقد أنه برهانه على أقليات سياسية، وليست طائفية فقط، يستطيع تحقيق برنامج بحجم تغيير ثقافات المجتمعات، وأنظمة الدول، ففي الحالة اليمينة، مثلا، يشكل الحوثيون (كجهة سياسية) نحو أربعة في المئة من مجموع القوى اليمنية، فيما "حزب الله" اللبناني لا يشكل أكثر من 15 في المئة من القوى اللبنانية، لكن "وَرَمَهُ" المَرَضي سببه عدم وجود جدية في حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، لأن الجميع مستفيد من هذا الوضع الشاذ، بشكل أو آخر.

في جانب آخر، المفارقة أن المتعاملين مع العدو، لفائدة خاصة، كانوا دائماً يخسرون كل شيء، وهو ما لم يدركه كل الذين باعوا أنفسهم للنظام الإيراني، وكأنهم لم يقرأوا التاريخ أبداً، من حادثة أبو رغال، أو الجنرال يعقوب الذي خان المصريين في الحملة الفرنسية، وتعامل مع نابليون، وقبلها المستعصم العباسي الذي قتله المغول رفساً بأقدامهم، لذا كانت مصائرهم شديدة القسوة.

هذه الأمثلة عمن باع أهله وبلاده لقاء فائدة رخيصة، تؤكد أن تخلي إيران عن الحوثيين، وبدء إقفالها الباب أمام "حزب الله" وقبلها تخليها عن بشار الأسد، أنها كغيرها من الدول التي حين تنتهي مصلحتها مع العميل، يرمي أحد الضباط إليه بكيس ذهب كي يركع ليتناوله، وذلك قمة الاحتقار، فيما هي تستفيد في حفظ رأسها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق