
الرئيس الصيني شي جين بينغ
أعلنت الصين أمس عن فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 34% على جميع الواردات الأميركية. وهذه هي النسبة نفسها التي فرضتها الولايات المتحدة على السلع الصينية قبل يومين فقط.
وقد أعلن الرئيس دونالد ترامب عن هذه الرسوم باعتبارها خطوة جريئة لإعادة فرض الهيمنة الأميركية.
لكن وفقا لتقرير نشرته مجلة الإيكونوميست، فبدلاً من أن تكون خطوة بكين ستراتيجية، بدت وكأنها خطأ جسيم. وسرعان ما عبّرت الأسواق عن رأيها — فقد هبط مؤشر S&P 500 بنسبة تقارب 5٪ في اليوم التالي.
ولم تؤدِّ استجابة الصين إلى تهدئة الأمور، بل زادت الطين بلة. إذ تراجعت الأسهم الأميركية بنسبة إضافية بلغت 5٪ بعد إعلان الصين، مما ساهم في موجة بيع واسعة في الأسواق العالمية. وانتقد ترامب الرد الصيني قائلاً: الصين لعبت خطأها"، وللمرة الأولى ربما كان محقًا.
تغيير في السياسة
وقبل هذا التصعيد، أظهرت الصين بعض ضبط النفس. فعندما فرض ترامب رسومًا بنسبة 20٪ في فبراير ، مدعيًا أن ذلك مرتبط بدور الصين في إنتاج الفنتانيل، اختارت بكين الرد برسوم أقل (10–15٪) وعلى مجموعة أضيق من السلع مثل المعدات الزراعية والنفط وفول الصويا — وهي سلع يمكن للصين الحصول عليها من مصادر بديلة بسهولة.
وكان هذا نابعًا من دروس الحرب التجارية الأولى عام 2018، حيث أدركت الصين أنها لا تستطيع مجاراة الرسوم الأمريكية من حيث الحجم، لأنها ببساطة تستورد من الولايات المتحدة أقل بكثير مما تستورده أمريكا منها.
ولكن الحرب التجارية لا تقتصر على الرسوم الجمركية. فالصين تمتلك أدوات ضغط أخرى فعالة. فهي منتج رئيسي للعديد من المعادن النادرة الضرورية للصناعات المتقدمة.
وفي فبراير، ردّت الصين على رسوم الفنتانيل بفرض قيود على تصدير معادن مثل التنجستن والموليبدينوم. وأمس، وسّعت الصين هذه القيود لتشمل سبعة أنواع من المعادن النادرة، من بينها الجادولينيوم المستخدم في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، والديسبروسيوم المستخدم في تصنيع المغناطيس الصناعي.
وتتمتع الصين أيضًا بنفوذ قوي على الشركات الأمريكية العاملة فيها. ووفقًا لما أشار إليه شيانغرونغ يو من بنك سيتي غروب، حققت الشركات الأميركية متعددة الجنسيات مبيعات تُقدّر بحوالي 490 مليار دولار في الصين عام 2022 — وهو أكثر من ضعف قيمة الصادرات الأميركية المباشرة إليها. وهذا يمنح بكين الكثير من الأهداف الممكن ضربها.
وقد استخدمت الصين هذا النفوذ بوضوح. وأمس أيضا، فرضت قيودًا على التصدير إلى 16 شركة أمريكية، وفتحت تحقيقًا ضد شركة دوبونت في الصين بتهمة الاحتكار، وأدرجت 11 شركة دفاع أمريكية في "قائمة الكيانات غير الموثوقة"، مما قد يمنعها من الاستثمار أو التجارة داخل الصين.
ومع ذلك، يبدو أن هذه الإجراءات لم تكن كافية هذه المرة. فقد شعرت القيادة الصينية بالحاجة إلى فرض رسوم جمركية انتقامية واسعة النطاق على طريقة ترامب.
رد فعل قوي
وكان بإمكان الصين حساب رسوم تُربك الولايات المتحدة وتُقلل من الأذى الذي يلحق باقتصادها، لكنها بدلاً من ذلك قررت ببساطة تقليد النسبة الأميركية، رغم افتقارها لأي أساس اقتصادي قوي. وقد سخر العديد من الاقتصاديين من طريقة حساب هذه الرسوم، حتى أولئك الذين استشهدت بهم إدارة ترامب نفسها لتبريرها.
وبتكرارها لخطوة أميركا، تجد الصين نفسها الآن في دوامة مؤذية من ردود الأفعال المتبادلة. النتيجة: تصعيد متواصل يشبه حالة "كل طرف يلكم نفسه في الوجه" — وأحيانًا الآخر أيضًا.
وفي خضم حرب الرسوم الأولى عام 2018، أخبر شي جين بينغ مجموعة من الرؤساء التنفيذيين الغربيين: "في الغرب لديكم فكرة أنه إذا صفعك أحد على الخد الأيسر، تدير له الخد الآخر. أما في ثقافتنا، فنرد باللكم." قد يكون هذا التفسير كافيًا. لكن ماذا لو كان الطرف الآخر يوجه اللكمات لنفسه؟
دوامة تدريجية
ومع دخول أكبر اقتصادين في العالم في دوامة من السياسات الحمائية، تتضح المخاطر. الأسواق المالية قلقة، الشركات مترددة، والمستهلكون في كلا البلدين هم من سيدفعون الثمن في النهاية.
وفي وقت كان يمكن فيه أن يكون ضبط النفس ستراتيجية رابحة، اختارت الصين تقليد خصمها. والنتيجة: اقتصاد عالمي على وشك الاصطدام، ولا يوجد مخرج واضح حتى الآن.
0 تعليق